كوردناسیون: في العشرين من حزيران/يونيو 2026، نظّمت منظمة حقوق الإنسان “نشطاء حقوق الإنسان في إيران” مؤتمراً وحملة إعلامية بعنوان «السجناء السياسيون؛ رواية القمع والمقاومة»، وذلك بمناسبة 20 حزيران/يونيو، اليوم العالمي لدعم السجناء السياسيين.
وبناءً على دعوة هذه المنظمة الحقوقية، شارك الأمين العام لحزب استقلال كوردستان، السيد آشتياكو پوركريم، متحدثاً في هذا المؤتمر. وفيما يلي نص رسالة الأمين العام لحزب استقلال كوردستان:
السيدات والسادة،
الأصدقاء الأعزاء،
المدافعون عن حقوق الإنسان، والناشطون السياسيون والمدنيون، وكل من لا يزال يؤمن بحرية الشعوب وكرامة الإنسان؛
في البداية، أتقدّم بالشكر إلى منظّمي هذا اللقاء، الذين أتاحوا لنا، في اليوم العالمي لدعم السجناء السياسيين، فرصة للحديث عن واحدة من أكثر قضايا عصرنا إيلاماً وأهمية.
وقبل الدخول في صلب الموضوع، آمل أن يمتلك أولئك الذين يعرّفون أنفسهم كمدافعين عن الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان وحق الأصوات المختلفة في أن تُسمع، القدرة أيضاً على الاستماع إلى رواية أخرى؛ رواية تختلف عن الروايات الرسمية للدول المحتلة وعن التأريخ الرسمي الذي تكتبه الدول. فإذا لم تكن الديمقراطية مجرد حق في الكلام، بل هي أيضاً حق في أن يُسمع الإنسان، فإن قبول الروايات المختلفة للتاريخ والهوية والشرعية السياسية هو جزء لا يتجزأ من الديمقراطية.
كما أرى من الضروري، في البداية، أن أعتذر من شعبي ومن الشعوب غير الفارسية الأخرى، لأنني مضطر إلى إلقاء كلمتي بلغة ليست، بالنسبة إلى كثيرين منا، مجرد أداة للتواصل، بل تحمل جزءاً من الذاكرة التاريخية لألمنا ومعاناتنا؛ لغة تذكّر أجيالاً كثيرة من الكورد والبلوش والعرب الأحوازيين والتركمان والترك والكاسبيين وسائر الشعوب غير الفارسية بالسجن، والتعذيب، والإعدام، والتمييز البنيوي، والاحتلال، وإنكار الهوية القومية. ومع ذلك، فإن اختيار هذه اللغة ليس خياراً تفضيلياً، بل هو ضرورة، لكي نتمكن من إيصال صوتنا إلى ما وراء حدود وطننا.
السيدات والسادة،
أنا اليوم لست حاضراً هنا فقط للحديث عن السجناء السياسيين، رغم أن مصيرهم جزء لا يتجزأ من مصير شعبي. إن القضية التي أريد الحديث عنها تتجاوز السجون، وأحكام الإعدام، وعقوداً من انتهاكات حقوق الإنسان. القضية الأساسية هي وضع أمة قاومت، لأكثر من قرن، مشروعاً مستمراً لتمركز السلطة، وإنكار الهوية، وسلب الإرادة السياسية، والاحتلال، والإزالة التدريجية لوجودها القومي.
في الخطاب السياسي السائد، عندما يجري الحديث عن كوردستان الواقعة تحت الاحتلال الإيراني، أو روجهلات كوردستان، غالباً ما تُطرح القضية في إطار التمييز القومي، أو التنمية غير المتوازنة، أو حقوق الأقليات، أو انتهاكات حقوق الإنسان. هذه الأمور جزء من الحقيقة، لكنها لا تفسّر عمق القضية. فمسألة كوردستان ليست مجرد أزمة حقوق إنسان؛ إنها قضية أكثر جوهرية، تتصل بالعلاقة بين الدولة المحتلة والأمة الواقعة تحت الاحتلال، وبين القوة والشرعية، وبين السيادة والرضا.
والسؤال الجوهري هو: هل كل دولة تحكم أراضٍ معينة تمثل بالضرورة تمثيلاً شرعياً جميع الشعوب التي تعيش على تلك الأراضي؟ لقد أظهر التاريخ المعاصر أن كثيراً من الإمبراطوريات والأنظمة الاستعمارية كانت تمتلك دولة وقانوناً وجيشاً ومؤسسات إدارية، لكنها لم تكن تمتلك شرعية أخلاقية وسياسية. فمجرد وجود الدولة لا يصنع الشرعية. الشرعية تتشكّل عندما تستند السلطة السياسية إلى الرضا الحر للشعوب، لا إلى الغلبة العسكرية، وإنكار الهوية، وفرض رواية تاريخية.
ومن هذا المنظور يجب إعادة قراءة قضية كوردستان. فالأمة الكوردية، بلغتها وثقافتها وذاكرتها التاريخية وجغرافيتها ووعيها القومي، كانت موجودة قبل نشوء دولة إيران الزائفة والمصطنعة. وعندما نتحدث عن كوردستان، فإننا لا نتحدث عن وحدة إدارية داخل بنية إيران؛ بل نتحدث عن الوطن التاريخي لأمة تشكّل وجودها واستمر بصورة مستقلة عن الرواية الرسمية للدولة الإيرانية. لذلك، فإن المطالبة بحق تقرير المصير للأمة الكوردية، من وجهة نظرنا، ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل هي تعبير عن حق إنساني وقومي أساسي.
يُقال أحياناً إن جزءاً من الكورد أو من الشعوب غير الفارسية الأخرى يعتبرون أنفسهم «إيرانيين»، وإن ذلك دليل على وجود هوية قومية مشتركة. غير أن العلوم السياسية، وعلم الاجتماع السياسي، ودراسات الاستعمار تعلّمنا أن الهويات ليست دائماً نتاج اختيار حر. فالدول المحتلة لا تحكم فقط عبر الجيوش وقوات الأمن، بل تعيد أيضاً إنتاج الهوية التي تريدها عبر التعليم، والإعلام، واللغة الرسمية، والتأريخ الرسمي، والآليات الثقافية. وعندما تتعرض أجيال لسياسات الصهر القومي والتماثل القسري، قد يقبل بعض الأفراد رواية السلطة المهيمنة باعتبارها هويتهم الطبيعية.
ومن هنا، فإن ما يُقدَّم اليوم تحت عنوان «الإيرانية»، من وجهة نظر كثير من الشعوب غير الفارسية، ليس انعكاساً لإرادتهم الحرة، بل نتيجة تاريخية لمشروع هدفه تمركز السلطة وتفضيل هوية واحدة على سائر الهويات. نحن لا نعتبر أنفسنا هامشاً لإيران، لأننا لا نعتبر إيران مركزاً لنا. فكوردستان بالنسبة إلى الأمة الكوردية ليست هامشاً لأي مركز آخر؛ كوردستان هي نفسها مركز الوجود التاريخي والثقافي والسياسي للأمة الكوردية.
في مثل هذا السياق، يكتسب مفهوم السجين السياسي معنى يتجاوز الملف القضائي. فالسجين السياسي في كوردستان هو رمز المواجهة بين إرادتين تاريخيتين: من جهة، إرادة أمة تريد الحفاظ على لغتها وثقافتها وذاكرتها التاريخية ومستقبلها؛ ومن جهة أخرى، بنية سياسية ترى بقاءها في الصهر الثقافي وتمركز الهوية. ولهذا السبب، لا يُسجن في كوردستان السياسيون وحدهم؛ بل يُسجن أيضاً المعلمون، والكتّاب، والناشطون البيئيون، والطلاب، والنساء، لأن كل واحد منهم يدافع، بشكل من الأشكال، عن لغة شعبه وتاريخه وأرضه ومستقبله وحريته.
وإلى جانب هذا القمع السياسي، تواجه كوردستان شكلاً آخر من أشكال السيطرة؛ سيطرة تظهر في الاقتصاد والبيئة. فأرض تمتلك الموارد الطبيعية، والمناجم، والقدرات الزراعية، والموارد المائية، والموقع الاستراتيجي، لا تزال تواجه البطالة والفقر والهجرة القسرية والتخلف التنموي. ولا يمكن تفسير هذا التناقض بمجرد الفشل الاقتصادي؛ بل يجب فهمه ضمن إطار الاقتصاد السياسي للسيطرة، أي الوضع الذي تُستخرج فيه الموارد، بينما لا تعود فوائدها إلى أصحاب الأرض.
وفي الوقت نفسه، تحترق غابات زاغروس، وتجف الأنهار، وتُنفَّذ مشاريع نقل المياه، وتتوسع المناجم، وتتعرض طبيعة كوردستان لضغط متزايد. ومن هذا المنظور، فإن الدفاع عن البيئة في كوردستان ليس مجرد نشاط بيئي، بل هو جزء من الدفاع عن حق أمة في حماية وطنها التاريخي.
كثير من المحللين يسمّون ما يجري في كوردستان «استعماراً داخلياً»، لكن من وجهة نظرنا، هذا المفهوم لا يفسّر الحقيقة كاملة. فالاستعمار الداخلي يقوم على افتراض أن المستعمِر والمستعمَر جزء من مجتمع قومي واحد؛ في حين أن الأمة الكوردية لم تعتبر نفسها قط جزءاً من الأمة الفارسية، ولم تعتبر الدولة الإيرانية تجسيداً لإرادتها القومية. فما فُرض على كوردستان ليس مجرد سيطرة مركز على هامش، بل هو سيطرة بنية سياسية فُرضت على أرضنا وشعبنا من خارج هويتنا القومية.
ولهذا السبب، لا يمكن حل قضية كوردستان بمجرد إصلاحات إدارية أو تغيير الحكومات، لأن جذورها كامنة في سؤال جوهري: من يملك الحق في تقرير مصير أمة؟
إن جواب القانون الدولي واضح. فقد أكّد ميثاق الأمم المتحدة والعهود الأساسية لحقوق الإنسان مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا المبدأ ليس منّة من الدول، ولا امتيازاً تمنحه القوى الكبرى؛ بل هو جزء من الأساس الأخلاقي والقانوني للنظام الدولي المعاصر.
ولهذا، عندما نتحدث عن الاستقلال، فإننا لا نتحدث عن الكراهية تجاه الشعوب الأخرى. نحن نتحدث عن مبدأ بسيط وإنساني: لا ينبغي لأي أمة أن تحكم أمة أخرى، ولا ينبغي لأي هوية أن تُفرض على هوية أخرى، ولا ينبغي لأي مجتمع أن يُجبر على نضال دائم من أجل إثبات وجوده.
وفي الختام، أؤكد أن قضية السجناء السياسيين في كوردستان لا يمكن فصلها عن قضية حرية الأمة الكوردية؛ كما لا يمكن فصل حرية الأمة الكوردية عن العدالة، والتنمية، والبيئة، وحقوق الإنسان، وكرامة الإنسان. فكل هذه القضايا تعود إلى سؤال جوهري واحد: هل للشعوب الحق في أن تقرر مصيرها بحرية؟
إنني أؤمن بأن المستقبل المستدام لمنطقتنا لن يتشكل على أساس السيطرة، بل على أساس الرضا؛ لا على أساس الإنكار، بل على أساس الاعتراف؛ ولا على أساس الحكم فوق الشعوب، بل على أساس الإرادة الحرة للشعوب.
شكراً لكم.




