بقلم آشتیاکو بوركريم، الأمين العام لحزب استقلال كوردستان
في كل حرب، تسعى الأطراف إلى إظهار نفسها بمظهر المنتصر، لكن الواقع الميداني يكون دائماً أكثر تعقيداً من الدعاية والروايات السياسية. وقد أظهرت الحرب الأخيرة أن أياً من اللاعبين الرئيسيين في هذه الحرب ــ لا الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا إسرائيل، ولا الولايات المتحدة، ولا حلفاؤهم الإقليميون ــ لم يخرج من هذه الأزمة من دون أن يدفع أثماناً سياسية وأمنية وعسكرية واستراتيجية باهظة. ولذلك اضطرت جميع الأطراف إلى إعادة تعريف أهدافها وأدواتها وأولوياتها ضمن إطار جديد. غير أن إعادة التعريف هذه لا تعني نهاية الحرب، بل تدل على أن الصراع دخل مرحلة جديدة وأكثر تعقيداً.
في الظروف الراهنة، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موقع ضعف استراتيجي، وأي عودة لها إلى طاولة المفاوضات لن تكون من موقع قوة، بل نتيجة للضعف والضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية. في المقابل، أدارت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المرحلة من موقع التفوق العسكري والسياسي. ومن هذا المنظور، فإن المفاوضات الجارية، بدلاً من أن ترسم نهاية الحرب، هي في جوهرها غير مستقرة، وهناك في كل لحظة احتمال لانهيار هذا وقف إطلاق النار المؤقت وتفككه. كما أن الأطراف المفاوضة، بدلاً من أن تحدد نهاية الحرب، تمثل نوعاً من إعادة الترتيب العسكري والسياسي المؤقت؛ إعادة ترتيب هدفها تهيئة الأرضية للحوار حول الامتيازات التي تطالب بها واشنطن من طهران. وفي مثل هذا الوضع، لا تملك إيران القدرة على فرض مطالبها، ولا تملك فرصة كبيرة لنيل موافقة الولايات المتحدة.
إن هدف إسرائيل لا يقتصر على السيطرة المؤقتة على سلوك الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو تغييره، بل يرتبط على مستوى أعمق بإضعاف البنية الداخلية للنظام السياسي الإيراني، وحتى بانهياره الكامل. ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى وقف إطلاق النار المؤقت بوصفه نهاية للحرب والصراعات، بل مجرد توقف مؤقت وتكتيكي في مسار مواجهة أكبر. وما يجري اليوم ليس نهاية للحرب، بل مجرد وقفة قصيرة من أجل الاستعداد وإعادة التنظيم في طريق مواجهة أوسع. لذلك، توقفت الحرب مؤقتاً، لكن توجيه الضربات إلى إيران سيستمر حتى إسقاطها.
وبالطبع، لم تكن هذه الحرب خالية من الأخطاء بالنسبة إلى إسرائيل أيضاً. ففتح جبهة جديدة ضد إيران قبل إنهاء احتواء حزب الله اللبناني وجزء آخر من القوى الوكيلة لإيران كان خطأً استراتيجياً؛ خطأً تسبب في اضطراب بعض أولويات إسرائيل في هذه الحرب، وجعلها غير قادرة، كما في السابق، على اتخاذ قراراتها بشكل مستقل من دون الرجوع إلى الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، بدأت إسرائيل الحرب منذ اليوم الأول بهدف إسقاط النظام الإيراني، ولم يكن فتح أو إغلاق مضيق هرمز في أي وقت القضية الرئيسية بالنسبة إليها؛ وهي القضية نفسها التي أجبرت ترامب على العودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات.
ومن جهة أخرى، تخطئ إيران في الظروف الراهنة حين تعتبر ضبط النفس الأميركي دليلاً على ضعف الولايات المتحدة، في حين أن أميركا، حتى الآن، استخدمت الحد الأدنى من قدراتها في المواجهة والحرب مع إيران. ومع ذلك، فإن هذا المستوى المحدود من التدخل كان كافياً لإلحاق الهزيمة والانهيار بالبنية السياسية والاقتصادية والعسكرية للنظام.
حتى هذه المرحلة يمكن اعتبار الولايات المتحدة وإسرائيل المنتصرين والرابحين في هذه الحرب. فقد تم القضاء على جزء كبير من القيادة السياسية والعسكرية العليا في إيران، وتعرضت البنى التحتية الرئيسية والقواعد الأساسية للنظام لأضرار جسيمة، وما تبقى من هيكل النظام بات أكثر اهتراءً وعجزاً من أي وقت مضى. ومع ذلك، فإن النصر النهائي والحاسم للولايات المتحدة وإسرائيل لن يكون ذا معنى إلا إذا أدى إلى انهيار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسقوطها الكامل. وإلا فإن بقاء النظام الإيراني ــ حتى لو تكبد خسائر كبيرة ــ سيعني، من منظور استراتيجي، انتصاره؛ لأن الجمهورية الإسلامية ستعيد تعريف هذا البقاء بوصفه نصراً تاريخياً لها، وستعرضه داخلياً وحتى أمام دول المنطقة على أنه انتصار على قوتين عظميين عالميتين؛ وهو ما من شأنه أن يضعف مكانة الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما قوتين كبيرتين في المنطقة.
لذلك، فإن ما يحدث الآن يشبه أقل ما يشبه سلاماً دائماً، وأقرب ما يكون إلى توقف هش ومؤقت في قلب صراع أوسع وأعمق. وما دام ملف الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يُحل على المستوى البنيوي، فإن أي وقف لإطلاق النار أو اتفاق لن يكون، في أفضل الأحوال، سوى تعليق مؤقت للحرب، لا إنهاءً لها. ومن منظور الفاعلين الرئيسيين في هذه الحرب، فإن القضية ليست فقط السلوك المؤقت لطهران، بل الوجود البنيوي لنظام يواصل إنتاج التهديد والأزمة والإرهاب على المستويين الإقليمي والدولي.
إن تداعيات هذا الوضع لن تبقى محصورة داخل الحدود المصطنعة لإيران. فإذا بقي النظام، فقد يتمكن في المدى القصير من إعادة بناء نفسه والتحرك نحو امتلاك قدرة نووية عسكرية. وفي مثل هذه الظروف، ستصبح الدول العربية في المنطقة أكثر عرضة للنفوذ الإيراني، وستقع تحت هيمنة أكبر للجمهورية الإسلامية، وستزداد روسيا جرأة في حرب أوكرانيا، كما ستواجه المصالح الأميركية في الشرق الأوسط تهديدات أكبر، بل وقد تفكر الصين أيضاً في شن هجوم وحرب ضد تايوان. ولذلك، فإن إنهاء الحرب من دون إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن يكون مجرد تطور إقليمي محدود، بل ستكون له آثار مباشرة على توازن القوى العالمي، وعلى المصداقية السياسية والعسكرية للولايات المتحدة، وعلى مستقبل النظام الدولي.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الحرب لم تنتهِ بعد، كما أن التوازنات التي نشأت عنها لم تستقر. لقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة؛ مرحلة تصبح فيها إعادة ترتيب التحالفات، وإعادة النظر في الاستراتيجيات، وإعادة تعريف المصالح الجيوسياسية، وإعادة تقييم السياسات الأمنية، أهم من الحرب المباشرة نفسها. وما يتشكل الآن ليس مجرد استمرار لحرب، بل هو عملية إعادة رسم وتصميم للنظام الأمني والسياسي في الشرق الأوسط.
ومن المنظور الجيوسياسي، فإن هذا النظام الجديد سيتشكل من دون إيران الحالية. وفي هذه الرؤية، فإن البنية السياسية التي تُعرف اليوم باسم «إيران»، بوصفها كياناً مصطنعاً ومفروضاً، ستنهار، وستظهر مكانها عدة وحدات سياسية جديدة مثل كردستان، وبلوشستان، والأحواز، وأذربيجان الجنوبية، وتركمانستان الجنوبية، و کاسبین، وفارسستان. وفي ظل مثل هذا النظام، سيقوم شرق أوسط جديد بعيد عن الهيمنة والاحتلال، وستستعيد الأمم التي لا دولة لها استقلالها وسيادتها السياسية.
وفي الختام، لا يمكن فهم قضية الجمهورية الإسلامية الإيرانية فقط على مستوى سلوكها، بل إن مشكلة إيران تكمن في بنيتها نفسها. فمنذ البداية، تأسس هذا النظام على صناعة الأزمات، والإرهاب، وتصدير أيديولوجية الثورة، وتوسيع الشبكات الوكيلة، وتطوير البرامج الصاروخية والنووية، وإعادة إنتاج التوترات بشكل مستمر في المنطقة. لذلك، فإن القضية الأساسية ليست إصلاح سلوك هذا النظام، بل تغيير تلك البنية كاملةً، البنية التي تنتج باستمرار التهديد وعدم الاستقرار والأزمات. وعلى هذا الأساس، لا ينبغي النظر إلى الصراع الحالي على أنه مجرد حرب، بل يجب اعتباره نقطة حاسمة في إعادة تعريف النظامين الإقليمي والدولي؛ نقطة تتشابك فيها في الوقت نفسه مصائر الجمهورية الإسلامية، وتوازن القوى المستقبلي في الشرق الأوسط، والمصداقية الاستراتيجية للولايات المتحدة على مستوى المنطقة، وحتى اتجاه بعض الأزمات العالمية.
ملاحظة: نُشر هذا المقال سابقاً باللغة الإنجليزية على موقع وصحيفة تايمز أوف إسرائيل.





