الرئيسية مقالات دراسة تاريخية-سياسية لحكم الشيخ خزعل في الأحواز (عربستان): “دوره في التحولات الهوياتية...

دراسة تاريخية-سياسية لحكم الشيخ خزعل في الأحواز (عربستان): “دوره في التحولات الهوياتية والمركزية الإيرانية في العهد البهلوي”

في هذا القسم من الكتاب، نبحث انتفاضة وحكم الشيخ خزعل في الأحواز (التي كانت تُعرف في مرحلةٍ ما أيضًا باسم عربستان)، ومواجهته للسياسات المركزية التي انتهجتها حكومة البهلوي الأول (رضا شاه).
إن انتفاضة الشيخ خزعل، فضلًا عن كونها تجسيدًا تاريخيًا للمقاومة في وجه مسار تركيز السلطة السياسية والهيمنة الثقافية للاحتلال الإيراني، تُعَدّ أيضًا حدثًا مفصليًا في تشكّل الهوية العربية في الأحواز وتعزيزها.

يسعى هذا البحث، إلى جانب تقديم سردية تاريخية-تحليلية لمسار تشكّل هذه الانتفاضة وقمعها، إلى دراسة وتقييم آثارها السياسية والثقافية والاجتماعية ضمن إطار أكاديمي. كما تتناول الرسالة، بالاستناد إلى الوثائق التاريخية المتاحة، المكانة الاستراتيجية لمنطقة الأحواز وتأثير تنافس القوى الخارجية، بما فيها بريطانيا، على تحولات هذه المنطقة.

لقد كانت منطقة الأحواز، بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية الغنية، محطّ اهتمام الحكومات المختلفة والقوى الاستعمارية منذ زمن بعيد. وخلال العهد القاجاري، ولا سيما بعد ذلك في العصر البهلوي، شهدت هذه المنطقة تحولات عميقة في بنيتها السياسية والاقتصادية والثقافية. وفي هذا السياق، تركزت سياسات البهلوي الأول على “التوحيد الثقافي” وزيادة تركيز السلطة في المركز إلى أقصى حد.

وتُطرح انتفاضة وحكم الشيخ خزعل في الأحواز (عربستان) بوصفهما من أهم رموز المقاومة الإقليمية في مواجهة هذه السياسات المركزية. فقد استطاع الشيخ خزعل، اعتمادًا على نفوذه القبلي، ودعم الشعب العربي في المنطقة، وكذلك الاستفادة من الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية، أن يحافظ مدةً من الزمن على الاستقلال في هذه البقعة وأن يقف بوجه الحكومة المركزية. وقد حمل قمع هذه الانتفاضة في النهاية نتائج مهمة على مستقبل العلاقة بين الدولة الإيرانية المحتلة والأحواز.

إن التاريخ المعاصر في هذه المنطقة رُوي في الغالب من قبل الاحتلال الإيراني، وتشكل أساسًا بالتركيز على أحداث طهران والمناطق المركزية، فيما حظيت تحولات مناطق الشعوب غير الفارسية باهتمام أقل. ومن هذا المنطلق، فإن انتفاضة الشيخ خزعل – رغم أهميتها التاريخية والسياسية – تُوضَع أحيانًا على هامش النصوص التاريخية أو لا يُشار إليها إلا بشكل عابر. وتتمثل المسألة الأساسية في هذا البحث في دراسة وتحليل حركة الشيخ خزعل وحكمه بعمق في سياقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي آنذاك، ومعرفة تبعات قمعها وآثاره على الهوية العربية في منطقة الأحواز.

أما الدراسات التاريخية المتعلقة بانتفاضة الشيخ خزعل، وخصوصًا في المصادر الفارسية، فتظهر في الغالب في صورة كتب ومقالات متفرقة. وخلال العهد البهلوي، لم تقدّم كثير من الوثائق الرسمية، بسبب الحساسيات السياسية، انعكاسًا دقيقًا أو كاملًا للأحداث. ومن جهة أخرى، نشر بعض الباحثين العرب من منطقة الأحواز، وكذلك باحثون غربيون، وثائق حول دور بريطانيا، والمسائل النفطية، والتفاعلات مع الدولة الإيرانية المحتلة، وهي وثائق تلقي ضوءًا جديدًا على الجوانب الخفية من القضية.

ولتحليل ظاهرة انتفاضة الشيخ خزعل، يمكن الاستفادة من نظريات المركز والهامش في العلوم السياسية وعلم الاجتماع التاريخي. كما أن الرؤى المتعلقة بـ”الهوية” و”التأميم القسري” في عصر الدول القومية (Nation-State) تكتسب أهمية كبيرة.

الخلفية التاريخية والجغرافية لانتفاضة الشيخ خزعل:

تقع منطقة الأحواز، التي كانت تُعرف في بعض الفترات باسم عربستان، في جنوب غرب إيران الحالية المصطنعة وعلى مقربة من الخليج. وقد جعلتها أنهارها الغزيرة، وأراضيها الخصبة، ولا سيما وجود حقول نفطية هائلة، من إحدى المناطق الاستراتيجية في المنطقة والشرق الأوسط. ولهذا السبب، كانت دائمًا محل تنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

وقبل التحولات الواسعة التي شهدها عهد البهلوي الأول، كانت منطقة الأحواز تتمتع ببنية اجتماعية-قبلية، وكانت القبائل العربية تؤدي دورًا محوريًا في إدارة المنطقة. وقد استطاع الشيخ خزعل، اعتمادًا على نفوذه بين القبائل العربية، أن يقيم “حكومة وطنية” تمتعت باستقلالها وسيادتها السياسية الخاصة.

ومع وصول الدولة البهلوية الأولى إلى السلطة، انطلق مشروع تركيز القوة وإقامة سيادة موحّدة لإنشاء الدولة الإيرانية المصطنعة. وقد أدت سياسة رضا شاه في “إنشاء جيش حديث” و”قمع مراكز قوة الشعوب غير الفارسية” إلى استهداف كثير من الخانات، وزعماء القبائل، والحكومات الإقليمية المستقلة وشبه المستقلة. ومن جهة أخرى، أدت محاولات تغيير الأسماء غير الفارسية، ومنع استخدام اللغات غير الفارسية في المدارس والإدارات الحكومية، وكذلك التدخل في الشؤون الداخلية لهذه المناطق، إلى توسيع دوافع السخط والرفض.

كيفية بروز الشيخ خزعل بوصفه قائدًا للأحواز

كان الشيخ خزعل من القادة الأقوياء للقبائل العربية، وقد تمكّن بفضل حنكته السياسية وإقامته علاقات فعالة مع القوى الداخلية والخارجية من اكتساب نفوذ كبير. وقد أتاح له هذا النفوذ، بعد سقوط القاجار، فرصة مناسبة لتأسيس حكومة مستقلة في منطقة الأحواز. وسعى من خلال التفاوض مع بريطانيا، وكذلك عبر إيجاد تضامن بين القبائل العربية، إلى خلق توازن قوى في مواجهة الاحتلال الإيراني.

وقد حاول الشيخ خزعل، مع تأكيده على الحفاظ على الهوية واللغة العربيتين، أن يجعل من الموقع الاستراتيجي للمنطقة ومواردها النفطية أداةً للتفاوض مع حكومات المنطقة. لكن عندما أعلن أنه أسّس دولةً مستقلة باسم “الأحواز” (أو عربستان)، عُدَّت هذه الإجراءات والتصريحات، ولا سيما بعد صعود رضا شاه، مناقضة للسياسة المركزية والاحتلالية الإيرانية.

وكان رضا شاه، منذ بداية سلطته، يسعى إلى قمع أي شكل من أشكال الاستقلال وحق تقرير المصير للشعوب غير الفارسية في المناطق الإقليمية، وفي نهاية المطاف، في عام 1309، قام بتعبئة القوات العسكرية واستخدام الضغوط السياسية لاعتقال الشيخ خزعل ونفيه إلى طهران. وقد شكّل اعتقال الشيخ خزعل وإبعاده عن السلطة عمليًا نهاية مرحلة من الاستقلال والمقاومة السياسية في الأحواز.
ورغم أن الروايات الرسمية كانت تتحدث عن “تمرد واضطراب” ضد الدولة المركزية، فإن كثيرًا من المؤرخين المستقلين وأبناء المنطقة يرون في هذا الإجراء نهاية محاولة سياسية للحفاظ على الهوية وصون مصالح الشعب العربي الأحوازي في المنطقة. كما تُظهر وثائق تلك الحقبة أن المصالح النفطية والاتفاقات الخفية مع القوى الاستعمارية مثل بريطانيا كان لها أيضًا تأثير في قرار النظام الإيراني المحتل.

النتائج والتأثيرات السياسية والثقافية والاجتماعية لانتفاضة الشيخ خزعل:

مع القمع النهائي للشيخ خزعل، تراجع نفوذ القبائل العربية في إدارة شؤون المنطقة بشكل ملحوظ. وقد عهدت الدولة البهلوية، من خلال فرض الهياكل الإدارية والعسكرية، بإدارة المنطقة إلى وكلاء مركزيين، وبذلك ازداد الشرخ بين الدولة الإيرانية المحتلة والمجتمع الأحوازي عمقًا.

وكان أحد الأهداف الرئيسة للحكومة البهلوية هو “بناء الأمة على أساس الهوية الفارسية”. ونتيجة لذلك، فُرضت قيود شديدة على اللغة العربية والأسماء والشعائر الثقافية العربية. وكانت المدارس تُدار باللغة الفارسية، كما مُنع استخدام اسم “عربستان” للمنطقة. وقد تركت هذه العملية أثرًا عميقًا على الأجيال اللاحقة من عرب المنطقة، ورسخت شعورًا بالاستياء ظلّ في ذهن كثير من السكان بوصفه إرثًا تاريخيًا.

التأثير في تشكّل الحركات الهوياتية والقومية العربية:

إن قمع الشيخ خزعل وإنهاء حكمه أضعف من جهة المكانة السياسية للعرب، لكنه من جهة أخرى تحوّل إلى رمز للمقاومة والنضال في وجدان الشعب العربي في المنطقة. وقد بقيت ذكرى الشيخ خزعل، في روايات شعب الأحواز، بوصفه قائدًا ناضل من أجل الحفاظ على هوية الشعب العربي وحقوقه. وأدى هذا الأمر، في العقود اللاحقة، إلى ظهور تيارات هوياتية وسياسية مختلفة طرحت، في مراحل متعددة من التاريخ، مطالب ثقافية ولغوية وحق تقرير المصير والحكم الذاتي والاستقلال والسيادة السياسية.

دور القوى الخارجية والنفط:

لا ينبغي إغفال تأثير دوافع القوى الخارجية مثل بريطانيا في هذه القضية. فبريطانيا، التي كانت تسعى إلى ضمان مصالحها النفطية في الأحواز، كانت تتدخل بصورة أو بأخرى في تحولات المنطقة. ففي بعض الفترات، وضعت ضمن سياساتها دعمًا ضمنيًا للشيخ خزعل، أو على الأقلّ التفاعل معه؛ إلا أنه مع ترسخ سلطة رضا شاه، وكذلك مع إبرام العقود النفطية المواتية لبريطانيا، تغيّر أسلوب تعامل لندن مع قضايا المنطقة، وفي نهاية المطاف تهيأت الظروف أكثر لقمع الشيخ خزعل.

انتفاضة الشيخ خزعل بوصفها أول تجربة للمقاومة الإقليمية الحديثة

يمكن اعتبار انتفاضة الشيخ خزعل في الأحواز واحدةً من أولى النماذج البارزة للمقاومة في مواجهة الاحتلال ومركزية السلطة الإيرانية في العصر البهلوي. فقد تمكن، من خلال استخدام نفوذه التقليدي بين القبائل العربية، من الحفاظ على استقلال الأحواز لعدة سنوات والوقوف كقوة معارضة في وجه الاحتلال الإيراني.

قمع الانتفاضة ونتائجها الهوياتية

مع أن القمع العسكري والسياسي للانتفاضة أدى إلى تثبيت حكم الاحتلال الإيراني، فإن هذا الحدث حمل للشعب العربي في الأحواز نتائج مهمة، منها تقييد استخدام اللغة العربية وإضعاف الهوية الثقافية. ومع ذلك، بقي الشيخ خزعل في الذاكرة الجمعية للشعب العربي في المنطقة رمزًا تاريخيًا للمقاومة.

تعزيز السياسة المركزية البهلوية

لقد نجحت الدولة البهلوية المحتلة، بعد قمع الشيخ خزعل، في ترسيخ أسس قوتها، وطبقت النهج نفسه في مناطق أخرى للشعوب غير الفارسية. وقد أدت هذه السياسة، في إطار إقامة بنية إدارية مركزية، إلى ردود فعل سلبية في المناطق غير الفارسية، ومهدت لبعض التوترات والانتفاضات الوطنية-الهوياتية في العقود التالية.

دور بريطانيا في التحولات الداخلية لإيران المصطنعة وحديثة التأسيس

إن دراسة الوثائق والشواهد التاريخية تُظهر أن بريطانيا اتخذت، في مراحل مختلفة، موقفًا مزدوجًا من قضية الشيخ خزعل: ففي البداية، دعمت الشيخ خزعل إلى حدّ ما حفاظًا على مصالحها النفطية، ثم خففت هذا الدعم بعد تثبيت مكانة رضا شاه وإبرام العقود المواتية لها. ويُظهر هذا التحول كيف تؤثر القوى الخارجية في تحولات إيران وفي تقرير مصير الحكومات الإقليمية، مثل حكومة الشيخ خزعل.
“إن الوصول بصورة أوسع إلى وثائق وزارة الخارجية البريطانية يمكن أن يوضح الدور الحقيقي لهذه القوة الاستعمارية في قضية الشيخ خزعل بشكل أكبر.”

يمكن اعتبار انتفاضة الشيخ خزعل في الأحواز إحدى المحطات المهمة في التاريخ السياسي-الاجتماعي خلال مرحلة الاحتلال البهلوي، والتي تمحورت حول الصراع بين احتلال رضا شاه والسعي إلى الحفاظ على الاستقلال الوطني والهوية العربية. وقد أظهرت هذه الانتفاضة، في ظل المصالح النفطية والتدخل الضمني للقوى الخارجية، نموذجًا معقدًا من تفاعل القوة انتهى في النهاية بالقمع العسكري وإقصاء الشيخ خزعل عن السلطة. ومع ذلك، بقيت ذكرى هذا الحدث راسخة في الذاكرة التاريخية لأبناء المنطقة، وأصبحت لاحقًا مصدر إلهام لحركات ومحاولات هوياتية مختلفة في الأحواز. فالهوية العربية في الأحواز، وإن تعرضت لضربات قاسية تحت ضغط سياسات التذويب في العهد البهلوي، فقد حافظت على جذورها، وواصلت الظهور بأشكال مختلفة في المراحل اللاحقة. وعلى هذا الأساس، فإن دراسة وإعادة قراءة هذه القطعة من التاريخ ذات أهمية كبيرة لفهم مسار تشكّل الدولة-الأمة الإيرانية المحتلة، وكذلك للتعرف إلى الحركات الهوياتية والاحتجاجات الإقليمية.

الشعب العربي الأحوازي وأرض عربستان تحت الاحتلال الإيراني

إن أرض الأحواز (عربستان، أحواز)، بوصفها منطقة استراتيجية على ساحل الخليج، كانت منذ القدم محل اهتمام القوى الإقليمية والدولية بسبب وجود أنهار غزيرة المياه مثل كارون والكرخة وغيرها، فضلًا عن حقول النفط والغاز الهائلة. وكان الشعب العربي الأحوازي، الذي تربطه بالعالم العربي روابط ثقافية ولغوية عميقة، مقيمًا في هذه المنطقة منذ قرون، وكان يتمتع في العهد القاجاري وما قبله بنوع من الاستقلال والحكم الذاتي؛ وكانت حاكمية أسرة الكعبي بقيادة الشيخ خزعل مثالًا بارزًا على هذه الحكومات العربية.

الاحتلال البهلوي وبداية العصر الأسود

في 20 أبريل/نيسان 1925 ميلادي (الموافق لأواخر الحكم القاجاري وبداية العهد البهلوي)، هاجمت القوات العسكرية التابعة لرضاخان، بتمهيد من بريطانيا، أرض الأحواز وأسقطت حكومة الشيخ خزعل المستقلة. ومنذ ذلك الوقت، دخل الشعب العربي الأحوازي في مرحلة سوداء من الاستبداد والقمع. وكان الاحتلال العسكري بدايةً لسياسة التوحيد القسري وقمع اللغة والثقافة العربيتين. فالعرب الأصليون، الذين كانوا يرون أنفسهم المالكين الحقيقيين لهذه الأرض، حُرموا من النعم الطبيعية والثروة النفطية للمنطقة، فيما تدفقت عوائد النفط والغاز إلى المركز المحتل (طهران)، في حين كان عرب الأحواز يعيشون في الفقر والحرمان.

بعد الاحتلال، شهدت الأحواز لأول مرة ثورة موظفي قصر الشيخ خزعل المعروفة باسم “ثورة الغلمان”. لكن بسبب غياب الدعم الشامل من بقية القبائل، ودور جواسيس الحكومة، جرى قمع هذه الثورة. وخلال العقود التالية، وقعت عدة حركات وثورات أخرى ذات بنية قبلية في مناطق مختلفة من الأحواز، إلا أنها جميعًا فشلت بسبب غياب بنية سياسية شاملة، وضعف التنسيق بين القبائل، فضلًا عن تغلغل العناصر الأمنية التابعة للنظام البهلوي.

تشكّل الأحزاب والحركات السياسية قبل ثورة 1979

بعد إخفاق الانتفاضات، اتجه الشعب العربي الأحوازي إلى تأسيس أحزاب سياسية لاستعادة حقوقه:

حزب السعادة (1946 ميلادي): تشكّل بهدف استرداد الحقوق السياسية والثقافية للشعب العربي؛ إلا أن القمع والخنق الشديدين في العهد البهلوي دفعا جهاز السافاك إلى اعتقال مؤسسي هذا الحزب وإعدامهم رميًا بالرصاص.

جبهة تحرير عربستان (1956 ميلادي): أسس هذه الحركة عدد من المثقفين العرب، من بينهم محيي آل ناصر، ودهراب شميل، وعيسى نصاري، عبر إنشاء لجنة فرعية باسم “اللجنة القومية العليا”. وقد حاولوا، من خلال جامعة الدول العربية ودول عربية أخرى، متابعة قضية إمارة عربستان (الأحواز). إلا أن اختراق العناصر الأمنية التابعة للنظام البهلوي أدى إلى اعتقال القادة وإعدام ثلاثة من الناشطين الرئيسيين عام 1964 ميلادي (1343 هجري شمسي).

ومع مرور الوقت واتساع مستوى الوعي السياسي بين عرب الأحواز، ظهرت أحزاب أخرى ذات توجهات قومية ويسارية لعبت دورًا كبيرًا في رفع مستوى الوعي الوطني بين الناس.

ثورة 1979 واستمرار القمع

مع سقوط البهلوي ونجاح ثورة 1979 في إيران المصطنعة، كان الشعب العربي الأحوازي يأمل أن ينال حقوقه الثقافية والسياسية. لكن هذا الأمل لم يدم طويلًا. فقد واجهت الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في السنوات الأولى للثورة في المحمرة والأهواز قمعًا واسعًا ومجازر دموية. ثم تحولت المنطقة خلال الحرب بين النظامين الإيراني والعراقي (1980–1988) إلى ساحة رئيسية للقتال، مما خلّف دمارًا واسعًا. واضطر كثير من العرب في هذه المنطقة إلى ترك ديارهم، وتضررت البنية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة أكثر فأكثر.

العقود الأخيرة من القرن العشرين وتصاعد الاحتجاجات

منذ عقد 1990 وما بعده، ظهرت جماعات وحركات عديدة ذات توجهات سلمية أو راديكالية. ومن أبرزها:

حركة النضال العربي لتحرير الأحواز (ASMLA): تطالب بالاستقلال الكامل لأرض الأحواز، بينما تتهمها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالقيام بأعمال إرهابية.

الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية: تسعى إلى استقلال الأحواز وتأسيس دولة الأحواز، والدفاع عن الحقوق الثقافية والإنسانية للعرب في إطار الاستقلال الكامل.

الجبهة العربية لتحرير الأحواز، والجبهة الديمقراطية الشعبية للشعب العربي الأحوازي، وحركة التحرير الوطني الأحوازي، وحزب التضامن الأحوازي: تنشط هذه التشكيلات غالبًا خارج الأحواز، ولها، من خلال وسائل الإعلام الفضائية والإنترنت، دور بارز في التوعية وتحفيز الشعب ضد الحكومة.

وفي هذا السياق، اندلعت احتجاجات واسعة في أعوام 2005 و2011، وفي الفترة ما بين 2016 و2021. وكانت إحدى أبرز المحطات المفصلية انتفاضة 15 أبريل 2005، التي اندلعت نتيجة تسريب رسائل سرية تتحدث عن تغيير التركيبة السكانية للمنطقة وتفاقم التمييز الاقتصادي والثقافي. وقد جاءت هذه الانتفاضة ثمرة جهود ونشاط جميع الأحزاب والتنظيمات والشخصيات المستقلة داخل الأحواز وخارجها، ونجحت في رفع الوعي السياسي والقومي لدى الشعب العربي بشكل كبير. وقد أظهرت القوات الحكومية ردود فعل عنيفة تجاه هذه الاحتجاجات، تمثلت في اعتقالات واسعة، وتعذيب، وإصدار أحكام ثقيلة، بل وحتى إعدام عدد من الناشطين العرب.

دور الإعلام والحركات الجديدة

مع دخول الإنترنت والفضائيات إلى أوساط عرب الأحواز خلال العقدين الأخيرين، انكسر الاحتكار الإعلامي الفارسي، واتسع الوعي القومي والديني بين الناس بشكل ملحوظ. فمن جهة، تناضل الأحزاب ذات التوجه القومي العربي ضد الشوفينية الفارسية، ومن جهة أخرى ظهرت جماعات ذات أيديولوجيا دينية تنتقد الخطاب الصفوي. وقد أدى هذا التنوع الخطابي إلى أن تسير نضالات الشعب العربي الأحوازي في مسارات متعددة من “النضال الناعم” و”النضال الصلب” في وقت واحد. فعلى سبيل المثال:

التيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز ينشط في مجال النضال الناعم والعمل النظري.

حركة النضال العربي لتحرير الأحواز حاضرة في ساحة النضال الصلب واستهداف المراكز الحكومية والاقتصادية.

وقد أوجد هذا التنوع في المقاربات فضاءً جديدًا لقوى عرب الأحواز، وجعل إدارة المنطقة أكثر صعوبة على الحكومة الإيرانية المصطنعة.

التحديات البيئية والمائية

ومن القضايا الحادة الأخرى في أرض الأحواز مشاريع السدود الواسعة على أنهار كارون والكرخة والجراحي، والتي تنقل المياه إلى مناطق أخرى. وقد أدت هذه الإجراءات، إضافة إلى تجفيف الأهوار، إلى تفاقم ظاهرة العواصف الغبارية وشحّ المياه على نحو مقلق. ويعتقد عرب الأحواز أن الدولة المحتلة تحوّل المياه عمدًا بعيدًا عن أرضهم، ولا تقوم بأي استثمار عادل في تنمية المنطقة. وهذا التمييز البنيوي، الذي يتجلى أيضًا في المجال البيئي، زاد من عمق السخط والاحتجاجات الشعبية.

واليوم، يعيش الشعب العربي الأحوازي، ذي الكثافة السكانية الكبيرة، في مدن مثل الأهواز، والمحمرة، وعبادان، ومعشور، والفلاحية، وغيرها من مناطق الإقليم. وهم يتكونون من أطياف سياسية وأيديولوجية متنوعة؛ بدءًا من التيارات التي تسعى إلى الفدرالية أو الحكم الذاتي ضمن إطار إيران، وصولًا إلى الأحزاب التي تطالب باستقلال أرض الأحواز استقلالًا كاملًا. وقد كانت ثروات النفط والغاز الهائلة في المنطقة دائمًا دافعًا للدولة المحتلة إلى تشديد سيطرتها العسكرية والأمنية، مما أدى إلى زيادة قمع العرب.

ومع تعمق أشكال التمييز، واستمرار سياسات التذويب والضغط الأمني، وكذلك تنامي وعي الشعب العربي الأحوازي عبر الإعلام الفضائي والإنترنت، يُتوقع أن تتوسع احتجاجات العرب ومطالبهم. وستواصل الجماعات السياسية المختلفة، سواء كانت سلمية أم راديكالية، السعي إلى تحقيق مطالبها الوطنية. وإذا لم تستجب الدولة المحتلة بتغيير نهجها والقيام باستثمار عادل في المنطقة، فسنشهد تصاعدًا في النضالات السياسية والثقافية والاجتماعية، بل وحتى العسكرية. إن مستقبل هذه المنطقة مرهون بكيفية تفاعل الحكومة الإيرانية المصطنعة مع احتياجات الشعب العربي الأحوازي ومطالبه المشروعة.

توضيح: هذا المقال البحثي هو جزء من كتاب Voice of Resistance من تأليف آشتياكو پوركريم.

اترك رد

آخر الأخبار